زايد جرو - الرشيجية / جديد انفو

أثار ظهور عبد الإله بنكيران يوم الاحد 21 يونيو الجاري بمدخل قاعة فلسطين بالرشيدية  وهو يحمل "القراقب" الكَناوية ويردد إيقاعاتها خلال مهرجان جماهيري بالمدينة اهتمام المتتبعين للشأن السياسي المغربي، ليس فقط بسبب الطابع الاحتفالي للمشهد، وإنما لما يحمله من دلالات سياسية وتواصلية عميقة.

فمن الناحية التواصلية سعى بنكيران من خلال لقاء جمهوره الحزبي او محبيه في الله إلى تقديم صورة السياسي القريب من المواطنين، المنخرط في ثقافتهم الاجتماعية والشعبية والمتفاعل مع تراثهم المحلي، فموسيقى كَناوة ليست مجرد لون فني مهرجاني فلكلوري، بل تشكل جزءا من الذاكرة الجماعية والهوية الثقافية المغربية، خاصة بالمناطق ذات العمق الإفريقي ومنها جهة درعة تافيلالت.

حمْل بنكيران ' قراقب كَناوة ' ليس مجرد لحظة عابرة، بل مشهد يحمل من الرسائل اكثر مما يحمله من الالحان وقد تكرر الفعل اثناء مهرجانه الخطابي بذات القاعة في منتصف شهر مارس من سنة 2015 ويمكن قراءة حمل "القراقب" باعتباره محاولة لكسر الصورة التقليدية للسياسي الرسمي، وتعويضها بصورة أكثر عفوية وإنسانية، تسمح بخلق نوع من القرب العاطفي مع الجمهور، فالسياسة الحديثة لم تعد تعتمد على الخطاب، بل أصبحت تستثمر في الرموز الثقافية والفنية القادرة على استمالة الرأي العام.

ومن زاوية أخرى، حمل المشهد رسالة اعتراف بالثقافة الشعبية المحلية وإبراز أهميتها في بناء الهوية الوطنية، فالانخراط في إيقاعات كناوة أمام الجماهير يبعث بإشارة مفادها أن الثقافة ليست هامشا للسياسة، بل أحد مداخل التواصل مع المجتمع وفهم خصوصياته.

كما أن اختيار جهة درعة تافيلالت  بالذات وفي هذا التوقيت يحمل دلالة مرتبطة بالرغبة في مخاطبة ساكنة الجهة وإظهار الاهتمام بموروثها الثقافي، خاصة في سياق سياسي يعرف تنافسا كبيرا على كسب ثقة الناخبين واستقطاب التعاطف الشعبي.

فالسياسي الخبير يدرك أن الجمهور لا يصغي دائما إلى الخطابات الطويلة، لكنه يتفاعل بسرعة مع الرموز والصور التي تلامس وجدانه، ومن هنا يمكن قراءة حمل بنكيران للقراقب باعتبارها محاولة ذكية للاندماج في الذاكرة الثقافية المحلية وتقديم نفسه كسياسي قريب من نبض الشارع لا كمسؤول معزول خلف المنصات الرسمية.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل كان الأمر تعبيرا صادقا عن التقدير للتراث المحلي، أم مجرد توظيف سياسي لرمز ثقافي من أجل كسب مزيد من التعاطف الشعبي؟ هنا تتباين القراءات، لكن المؤكد أن الصورة حققت ما لم تحققه عشرات الخطب والبيانات السياسية.

لقد أدرك بنكيران  أن السياسة الحديثة لا تمارس فقط بالكلمات، بل أيضا بالصورة والرمز والإحساس، فالقراقب في تلك اللحظة لم تكن مجرد آلة موسيقية، بل تحولت إلى أداة تواصل سياسي وإلى رسالة مفادها أن الوصول إلى قلوب الناس يمر أحيانا عبر الثقافة قبل السياسة.

وبغض النظر عن المواقف المؤيدة أو المعارضة، فإن مشهد بنكيران وهو يرفع القراقب وسط إيقاعات كناوة بالرشيدية يظل دليلا على أن السياسي الناجح هو الذي يعرف كيف يحول لحظة بسيطة إلى حدث يظل عالقا في الذاكرة الجماعية لسنوات طويلة ففي زمن الصورة، قد تصنع قراقب كناوة ما لا تصنعه الخطب الحماسية، وقد تختصر لحظة فنية واحدة مسافة طويلة بين السياسي والشارع.

وبعيدا عن التأويلات المختلفة، يبقى مشهد بنكيران وهو يحمل القراقب الكناوية واحدا من أبرز الصور السياسية التي جمعت بين الخطاب السياسي والرمز الثقافي فالفعل السياسي كثيرا ما يوظف عناصر الثقافة والتراث لبناء جسور التواصل مع المواطنين وتعزيز الحضور الجماهيري.